هذا واحد من أكثر الأسئلة شيوعًا وإرباكًا لدى الأشخاص الذين يراقبون مستوى الغلوكوز:
«لقد كدت لا آكل شيئًا. لماذا يرتفع السكر مع ذلك؟»
من الظاهر تبدو الفكرة منطقية: لا طعام — لا سكر.
لكن الجسم البشري يعيش وفق قواعد أخرى تمامًا. إنه ليس آلة لحساب السعرات، بل منظومة بيولوجية معقدة، يحتاج فيها الدماغ والعضلات والأعصاب إلى الطاقة باستمرار. في هذه المنظومة الغلوكوز ليس نتيجة الطعام فقط، بل أداة للبقاء. أحيانًا يكون غياب الطعام نفسه سببًا في ارتفاع السكر، لا انخفاضه.
السكر ليس طعامًا فقط، بل وقودًا
الدماغ، والجهاز العصبي، والعضلات يحتاجون إلى الغلوكوز على مدار الساعة.
عندما لا تأكل، لا يدخل الجسم في وضع «الإيقاف المؤقت» ولا ينتظر وجبتك التالية بهدوء، بل يبدأ في إنتاج الغلوكوز بنفسه.
يأخذ الجسم الغلوكوز من ثلاثة مصادر رئيسية: من الغليكوجين في الكبد، ومن الأحماض الأمينية التي يحصل عليها غالبًا من العضلات، ومن الغليسرين الناتج عن تفكيك الدهون.
هذه العملية تسمى استحداث السكر. تنشط هذه الآلية عندما تطول الفترات بين الوجبات، أو عندما يكون تناول الكربوهيدرات منخفضًا جدًا، أو في حالات التوتر، أو في الصباح بعد صيام الليل.
بمعنى أنك قد «لا تأكل شيئًا تقريبًا»، بينما يقوم الكبد في الوقت نفسه بإطلاق الغلوكوز في الدم ببساطة لأن الدماغ يحتاج إلى العمل.
سكر الصباح و«ظاهرة الفجر»
المشهد مألوف: تستيقظ من النوم، لم تتناول الإفطار بعد، لكن مستوى الغلوكوز صباحًا أعلى منه في المساء.
خلال الليل وقبيل الفجر يفرز الجسم مجموعة من الهرمونات مثل الكورتيزول، والأدرينالين، وهرمون النمو.
مهمتها إيقاظك وتجهيزك لليوم. لكنها في الوقت نفسه ترسل للكبد إشارة: «أعطنا طاقة». فيستجيب الكبد بإطلاق الغلوكوز في الدم.
عند الشخص السليم يفرز البنكرياس الأنسولين بسرعة ويضبط هذا الارتفاع.
أما عند من يعاني من مقاومة الأنسولين أو داء السكري، فيخرج الغلوكوز إلى الدم، بينما يكون الأنسولين قليلًا أو ضعيف الفاعلية. النتيجة أنك ترى ارتفاعًا صباحيًا في قياس السكر، رغم أنك «لم تأكل شيئًا زائدًا» من المساء.
التوتر أحيانًا أقوى من الطبق
أحيانًا لا يكون ارتفاع السكر مرتبطًا بما وضعته في طبقك أصلًا.
قد ترتفع الغلوكوز بسبب القلق والتوتر العاطفي، أو قلة النوم المزمنة، أو الخلافات، أو الإجهاد البدني، أو العيش في سباق دائم.
في مثل هذه الحالات يفرز الجسم الكورتيزول والأدرينالين. هذان الهرمونان يرفعان مستوى الغلوكوز في الدم، ويقللان من حساسية الخلايا للأنسولين، ويجعلان دخول السكر إلى الخلايا أكثر صعوبة.
يمكن للإنسان أن يأكل بانضباط شديد، ومع ذلك تظهر قراءات السكر وكأنه يتجاوز في الطعام، لمجرد أن جسمه يعيش طوال الوقت في وضع «القتال أو الهروب».
عندما تكون الفترات بين الوجبات طويلة أكثر من اللازم
هناك مفارقة يصعب تقبّلها: أحيانًا يرتفع السكر تحديدًا لأنك تأكل نادرًا جدًا.
عندما تطول الفواصل بين الوجبات، يتعامل الجسم مع ذلك كحالة نقص محتمل في الموارد. فيحوّل نفسه إلى نمط الاقتصاد في الطاقة، ويزيد إنتاج الغلوكوز «احتياطًا»، ويجعل الأنسجة أقل استجابة للأنسولين حتى يستهلك قدرًا أقل.
يظهر هذا بوضوح عند كثير من النساء، وعند أصحاب الوزن المنخفض أو من مرّوا بحميات قاسية متكررة، وعند من يعيشون لفترات طويلة على تقييد السعرات الصارم ومحاولات «الأكل أقل قدر ممكن دائمًا».
الإنسان يفكر: «كلما قللت الطعام، يجب أن ينخفض السكر»، بينما يرد الجسم: «نحن في وضع طوارئ، يجب الحفاظ على الوقود في الدم». فتأتي النتيجة معاكسة تمامًا لما كان متوقعًا.
الغذاء القليل بالكربوهيدرات لا يعني سكرًا صفريًا
حتى إن أوقفت السكر والحلويات والخبز، وانتقلت إلى حمية كيتونية أو منخفضة الكربوهيدرات بشدة، فهذا لا يعني أن الغلوكوز في الدم سيتحوّل إلى «خط مستقيم».
حتى مع تناول كمية ضئيلة جدًا من الكربوهيدرات يواصل الكبد إنتاج الغلوكوز، ويمكن للبروتين الذي تأكله أن يتحول جزئيًا إلى غلوكوز، وتستمر هرمونات التوتر والهرمونات الصباحية في العمل.
جملة مثل «ولكنني لم أتناول الكربوهيدرات» لا تعني شيئًا للجسم. ما يهمه هو أن يحصل الدماغ والعضلات على ما يكفي من الطاقة، بغض النظر عمّا هو مكتوب في مذكرتك الغذائية.
ما الذي ينبغي فهمه حقًا
ارتفاع السكر ليس دائمًا خطأ، وليس دليلًا على أنك «تصرفت بشكل سيئ».
غالبًا ما يكون رسالة: عن التوتر الذي تعيشه، أو عن الإرهاق، أو عن اضطراب في نمط النوم، أو عن فترات طويلة بلا طعام، أو عن تقلبات هرمونية، أو عن أن الجسم يحاول حمايتك في الظروف الحالية.
الخطر الحقيقي ليس في أن مستوى الغلوكوز يرتفع أحيانًا، بل في أن لا تفهم لماذا يحدث ذلك، فتبدأ في لوم نفسك على «سلوك غذائي سيئ»، وتحارب الرقم في الجهاز بدل أن تبحث عن السبب في حياتك.
أسئلة تُفيد أكثر من سؤال «ماذا أكلت؟»
عندما تلاحظ ارتفاعًا في السكر في فترة كنت فيها تأكل قليلًا جدًا، حاول أن تنظر للصورة الأوسع وتطرح على نفسك عدة أسئلة بدل سؤال واحد فقط.
كيف كانت نوعية نومي في الليلتين أو الليالي الأخيرة؟
هل أعيش الآن حالة توتر حاد أو ضغط مستمر؟
كم يبلغ الفاصل بين وجباتي: بضع ساعات أم يوم عمل كامل؟
هل يتضمن طعامي ما يكفي من البروتين والدهون، أم أنني لا أفعل سوى خفض الكربوهيدرات؟
كيف يبدو السكر خلال اليوم أو خلال عدة أيام متتالية، وليس في قياس منفصل واحد؟
الغلوكوز لغة يتحدث بها الجسم معك.
وغالبًا ما يحاول أن يخبرك بهذه اللغة لا عن «خطأ في طبق واحد»، بل عن الكيفية التي تنام بها، وتتحرك، وتتوتر، وتعتني بنفسك من يوم لآخر.
